منتدى الانبا كاراس للمواهب الكتابية
سلام المسيح اسرة المنتدى ترحب بكم وتدعوكم للتسجيل وللعلم تم انشاء منتديات الانبا كاراس المسيحية على هذا الرابط www.eg-copts.com/vb
نتمنى زيارتكم للمنتدى


منتديات افا كاراس السائح , منتديات مسيحية . منتديات الانبا كاراس المسيحية
 
الرئيسيةالتسجيلدخولمن نحن
منتدى الانبا كاراس للمواهب الكتابية يرحب بيكم ويتمنى لكم وقتا روحيا معنا فى اسرتنا  اسرة الانبا كاراس للمواهب الكتابية والمنتدى يرحب بالجميع بالترشح فى قائمة المشرفين وذلك لفترة محدودة نظرا لحاجة المنتدى لمشرفين لتمنية خدمتنا ,,, المنتدى يقدم خدمة مجانية ليس لة اى اهداف ربحية
المنتدى ينتظر مشاركتكم الفعالة وخدمتكم القوية ودعوة اخرين وننتظر اقتراحاتكم وايضا تعلقاتكم البنائة وافكاركم الصالحة للخدمة وفى حالة اى شكوى او موضوع هام يمكنكم التحدث لأدارة المنتدى ولمراسلة ادمن المنتدىاضغط هنا , ولمراسلة مديرة المنتدى  اضغط هنا

تم افتتاح منتديات الانبا كاراس المسيحية منتديات مسيحية روحية لاهوتية اخبارية وكل ما يخص المسيحى على هذا الرابط www.eg-copts.com/vb    وللمجلة www.eg-copts.com


شاطر | 
 

 الكتاب الثانى من اعترافات القديس اغسطينوس الفيلسوف

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
المدير العام

المدير العام
avatar

الجنس : ذكر عدد المساهمات : 1134
نقاط : 9209
تاريخ التسجيل : 09/10/2010

مُساهمةموضوع: الكتاب الثانى من اعترافات القديس اغسطينوس الفيلسوف   الأحد يونيو 05, 2011 2:46 pm

الكتاب الثاني

أمراض أخري ساقته إليها البطالة ولم تنكشف إلا في السادسة عشرة من عمره.

مصائب المعاشرات الرديئة التي انقاد بسببها إلي السرقة.



-1-

اندفاع القديس وراء شهواته

سأتذكر الآن شروري القديمة وشهوات نفسي الدنسة لا لأنني أحبها ولكن لعلي أحبك يا إلهي حباً عظيماً. سأتصفح في ذاكرة نفسي الحزينة الشرور العظيمة التي ارتكبتها لعلك تتراءف بي (يا من لا تفني حلاوتك، أيها المبارك يا من حلاوتك هي الحلاوة الحقة)0 أنت الذي أختطفتني من طرق الخلاعة التي كنت فيها تائها شريداً منصرفاً عنك أيها الإله الصالح وحده. لقد أبحت لنفسي كل منكر لأن نفسي كانت تميل إلي الاستمتاع باللذات الدنيا، فتجرأت علي أن أنساق في تيارها هائماً بشتي الأوهام الحالكة الظلام حتى ذبل جمالي وصرت مكروهاً أمامك لأن نفسي تلذذت بمحبة العالم.



-2-

لقد كانت غاية مناي أن أحب وأن أكون محبوباً. ولكني لم أجعل مقياس حبي هو الصداقة البريئة الممزوجة باحترام آراء الغير. بل جعلت مقياس حبي هو شهوة الجسد الترابية وغرور الشباب الباطل، فأفسحت مجالاً في قلبي لحب الأحزان فتراكمت عليه، وفقدت القدرة علي التمييز بين بهاء المحبة النقي وضباب الشهوة الملوث الذي كان يثير اضطرابي ويدفع بشبابي السابح فوق هوة الرغبات الدنسة إلي الغرق في خليج القباحة. لقد تجمع علي غضبك ولم أدر به لأن أذنيَ قد صٌُمتا برنين قيود الموت الذي هو عقاب كل متكبر النفس فازددت ضلالا فوق ضلال0 أما أنت فقد بقيت صامتاً وتركتني أتخبط وحدي في المجون والعهارة.

آواه يا إلهي...0 يا نهاية أفراحي لقد زادني صمتك في ذلك الوقت ضلالا وبعداً عنك، وقد ضللت أكثر فأكثر عندما تشامخت بتلك الأحزان المرة عديمة الفائدة التي سببت كآبتي وضجري واضطرابي.



-3-

كلمة الله تخفف أحزانه الناجمة عن الاندفاع وراء الشهوات

آه يا ألهي...0 لقد أرسلت إلي في ذلك الوقت مَن لطف أحزاني، وعَدد لي ما فقدته من جمال بشروري، كي أعود وأسير في طريق الخير الذي خلقتنا لأجله، فوضع هذا حداً لشهوات شبابي، فلما لم أستطع أن أقمعها فكرت في أن أتزوج، وعزمت فعلا علي تكوين أسرة كما فرض ناموسك يا رب، يا من اخترت هذه الوسيلة لتقيم من موتنا نسلاً، وأنت القادر أن تخفف بيدك الحنون وخز الأشواك التي طردنا بسببها من الفردوس.

إن قوتك يا رب ليست بعيدة عنا، ونحن لسنا بعيدين عنك، وكان يجب علي أن أحذر جيداً وأصغي إلي ذلك الصوت الآتي من السماء القائل: " مثل هؤلاء يكون لهم ضيق في الجسد وأما أنا فأشفق عليكم. حسن للرجل أن لا يمس امرأة. غير المتزوج يهتم فيما للرب كيف يرضي الرب وأما المتزوج فيهتم فيما للعالم كيف يرضي امرأته " { 1 كو 7: 33 }.



-4-

كان من الواجب أن أصغي وأن أنتبه جيداً لهذه الكلمات، وأن أنتظر بكل سرور معانقاتك لي، لأني كنت مفروزاً لأجل ملكوت السموات، ولكني.. أنا الشقي المسكين.. قد أزبدت مثل بحر مضطرب تارة أعلو وطوراً أنخفض.. نابذاً إياك متجاوزاً كل أوامرك ومع ذلك فلم أستطع أن أنجو من سياط تأديبك. ولم يقدر البشر أن يعملوا بي شيئاً لأنك وإن كنت صارماً معي، فقد كنت رحيماً بي، لذلك مزجت لذاتي المحرمة بمرارة الحزن كي أبحث عن لذة لا كدر فيها.. ولكن أين أجد هذا؟ لم أجد هذا إلا فيك يا رب يا من بأحزاننا تدربنا، يا من تجرحنا لتشفينا، وتميتنا لتحيينا، حتى إذا متنا فإننا لا نموت بعيداً عنك.

في أي مكان كنت موجوداً؟ وإلي أي مدي كنت منفياً عن مسرات بيتك عندما كنت في السادسة عشرة من عمري خاضعاً لسلطان جنون الشهوة. مطلقاً لجسدي العنان حتى تمرغ في الإثم مخالفاً شرائعك؟ لقد أسلمت نفسي لشهوات الجسد... ولم يكن هناك بين أصدقائي من يسعي لإنقاذي لأن كل اهتمامهم كان منصرفاً في أن أبرع في علم الكلام كي أصبح فيما بعد خطيباً يشار إليه بالبنان.



-5-

انقطاعه مؤقتاً عن الدراسة

في تلك السنة التي تلت عودتي من مادورا { كانت مدينة كبيرة في شمال أفريقيا وقد صارت الآن قرية صغيرة } وهي إحدى المدن المجاورة التي كنت أتعلم فيها علم البيان والصرف. في تلك السنة انقطعت عن دراستي مؤقتاً لأن أبي عجز عن تزويدي بنفقات الرحلة إلي قرطاجنة التي كان يريد أن أتعلم فيها. لقد كانت نفقات الرحلة فوق طاقته لأنه لم يكن من الأغنياء بل كان من أحرار (ساجستة) الفقراء. ومع ذلك فإن عجزه لم يمنعه من إعداد نفقات رحلة أخري. لمن أقول هذا؟ لست أقول هذا لك يا إلهي لأنك تعرف نسبي وإنما أقول هذا لذلك العدد القليل من البشر الذي قد يعثرعلي كتاباتي هذه.

ولكن لأي سبب أقول هذا؟ إنني أقوله لكي يعرف من يقرأه إنني كنت أصرخ إليك من الأعماق لأنه ليس هناك ما هو أفضل ولا ما هو أقرب إلي أذنيك من قلب معترف وحياة مؤمنة.

من لا يعظم أبي؟ لقد تمكن بمهارته أن يمدني بكل ما يلزم كثيرين غيره من ضروريات لأجل الدراسة، لقد توافرت لدي مواطنين كثيرين غيره إمكانيات مادية أكثر منه ولكنهم لم يصنعوا مع أبنائهم مثل ما صنع بي أبي، ومع ذلك فإن أبي لم يعبأ كثيراً بأن يجعلني واحداً من أبنائك الأطهار حتى أنه بالرغم من أنني قد صرت خطيباً مفوهاً فإنني كنت غير لائق لخدمتك يا الله يا من أنت هو الحق وحده، والرب الصالح لأن يحتل سويداء قلبي.



-6-

في السادسة عشرة من عمري، في تلك الفترة التي تعطلتها عن الدراسة بسبب حرج مركز والدي المالي، كنت أعيش مع أسرتي فازدادت وخزات الرغبات النجسة، وتمكنت بشدة من نفسي دون أن تمتد يد لتخلصني منها. لقد كنت في سن البلوغ، وكان شبابي فائراً، فكنت أذهب إلي الحمامات وهناك كان أبي يراني فيذهب إلي أمي مسروراً ويخبرها بفرح عما كان يشاهده، لقد كان يود أن أشب علي شاكلته، فكانت تسعده تلك الاحساسات الرديئة التي كنت أشعر بها، تلك الاحساسات التي جعلت العالم ينساك أنت الخالق ويُفتن بخليقتك عوضاً عنك، لقد سكرت بأبخرة تلك الخمر غير المنظورة، وتمكنت من نفسي مشاهد النجاسة فخررت ساجداً لها.

أما أنت فقد وضعت من قبل في قلب أمي أن تعدني لأكون هيكلك المقدس، وبيتاً صالحاً لسكناك، ولم يكن أبي قد تعمد بعد وإن كان قد ترشح أخيراً للعماد لذلك كانت أمي منزعجة وخائفة خوفاً ظاهراً ومرتعدة، لقد أزعجتها تلك الطرق الملتوية التي يسلكها من يديرون لك ظهورهم رغم أنني لم أكن قد تعمدت.



-7-

ويلي.. لأنني تجرأت وقلت إنك لزمت الصمت يا إلهي عندما تماديت أنا في ضلالي بعيداً عنك.. أحقاً أنك لزمت الصمت نحوي؟ ولمن سواك إذن كانت تلك الكلمات التي رنمت بها في أذني بواسطة أمي المؤمنة بك دون أن يستقر في قلبي شئ منها لأعمل به؟.. إنني أتذكر جيداً كيف أنها كانت بغاية اللهفة تنذرني في الخفاء قائلة: " لا ترتكب فسقاً وعلي الأخص لا تدنس أبداً زوجة رجل آخر ".

لقد كانت هذه الأقوال تظهر لي إنها نصائح نساء وكان يجب علي أن أشعر بالخجل من نفسي إذا أطعتها، فلم أطعها لأنني لم أكن أعلم إنها إرشاداتك. وهكذا ظننت أنك كنت صامتاً عني فكنت أهزأ بإرشادات أمي أنا أبنها.. أنا أبن أمتك دون أن أعلم هذا.

لقد اندفعت بنزق وغباوة في طريق الفسق حتى إنه كان يخجلني أن أكون أقل أندادي فسقا ورغماً من أنهم عندما كانوا يفاخرون بفسقهم كان مقامهم يزداد انحطاطا إلا أنني تلذذت بصحبتهم. لم أتلذذ فقط بالفسق معهم بل تلذذت أيضاً بالمديح، ولما لم يكن هناك ما يستوجب المديح سوي الرذيلة فقد بالغت في وصف الرذائل التي كنت أنسبها لنفسي، لقد صورت نفسي بأشر مما كنت عليه لكي لا أُذم حتى إنني في الوقت الذي لم أكن قد ارتكبت فيه شيئاً من المنكر كنت أنسب لنفسي ما لم أعمله لئلا أُحتقر لبراءتي وعفافي.



-8-

لقد سرت مع رفقائي وما أدراك أي رفقاء كانوا؟! لقد سرت معهم في شوارع بابل وتمرغت في الحمأة كما لو كانت وادي أطياب وعطور ثمينة! لقد ناء علي ذلك العدو الخفي بكلكله وأغواني حتى وصلت بسرعة إلي قرار الحمأة، وقد ساعد علي ذلك أن أمي بالجسد لم تكن معي (لقد فرت هاربة من وسط بابل ولكنها لم تتقدم بسرعة إلي التخوم) لكم نصحتني أمي أن أعيش طاهراً.. لقد علمت بسلوكي مما سمعته من زوجها وكانت خضوعاً منها له مضطرة لأن تغض الطرف عن كلامه (إذ لم يكن من السهل وهي زوجته أن تعارض رغباته).

لقد كانت تفكر في ربطي برباط الزوجية علي أساس مكين. ولكنها خشيت أن يكون في الزواج خطر عليَ وعلي مستقبلي في ذلك الوقت، فلم تسارع إلي زواجي حتى لا تقف الزوجة حاجزاً ومانعاً يمنعني من تحقيق آمالي. ولم تكن هذه الآمال هي آمال الدهر الآتي، بل كان أملها في أن أبلغ شأواً بعيداً في الحصول علي العلوم التي كان أبي وأمي تائقين إلي أن أتعلمها.

إن أبي في ذلك الوقت لم يكن بعد قد فكر فيك، وكانت التصورات الباطلة هي التي يفكر لي فيها. أما أمي فكانت تظن أن إقبالي علي العلم يبعدني عن الزواج وقد يقربني قليلاً منك. هذا هو الترتيب الذي أعده لي والدي والذي لا زلت أتذكره جيداً. لقد كانت الأعنة إذ ذاك مرخاة لي وكان يجب قمعي بكل شدة ممكنة لكي لا أضيع وقتي في الطرب والمجون وفي كل ما كنت أشتهيه. في سحابة هذه الأوهام كلها احتجب عني ضياء حقك يا إلهي فأفتضح إثمي وكان عظيماً.



-9-

كيف كنت أسرق الكمثري؟

ليس ناموسك فحسب هو الذي يعاقب علي السرقة، وإنما أيضاً الناموس الطبيعي المطبوع علي قلوب البشر لا يقر هذا الإثم، فأي لص يقبل أن يساكن لصاً؟ وأي لص ثري يسلب عن غير احتياج؟ ومع ذلك فإنني اشتهيت أن أسرق فسرقت،لم أكن مسوقاً إلي السرقة بدافع الجوع أو الفقر ولكن بدافع حب الإثم، لأن ما كنت أسرقه كان لديَ منه الكفاية بل ما هو أفضل منه، لذلك لم يكن يسعدني ما أسرقه بل كانت سعادتي بالسرقة ذاتها وبالإثم نفسه0

هناك بالقرب من كرمنا كانت توجد شجرة كمثري مليئة بالثمار التي كنت مغرماً بسرقتها!! إنني لا أعلم السر بغرامي في سرقة هذه الكمثري!!؟ أكان ذلك راجعاً إلي جمال لونها؟؟ أم لذيذ طعمها؟؟ ففي ليلة ليلاء بعد أن تجولنا حسب عادتنا في شوارع المدينة متنزهين إلي وقت متأخر مضيت مع بعض أتباعنا إلي الشجرة وسرقناها وحملنا منها أحمالاً ثقيلة لا لنأكلها ولكن لنرميها بعد أن نتذوقها الخنازير. هكذا كنا نسرق لا لسبب إلا لكون السرقة أمراً ممنوعاً!.

ها هو ذا قلبي يا الله! ها هو ذا قلبي الذي رحمته!! لقد كان في قاع هاوية لا قرار لهل فدعه - بعد أن تنظر إليه - أن يخبرك عما كنت أبغيه بهذا العمل حتى كنت أقدم علي ارتكابه مختاراً ورغم عدم ميلي إلي الشر فقد طلبت الشر بعينه، لقد كان شراً ومع ذلك أحببته!! لقد أحببت أن أهلك!! لقد أحببت إثمي الخاص ليس الإثم الذي استحققت اللوم بسببه بل أحببت الإثم نفسه. نفس شريرة ساقطة من علياء سمائك لتنشر الهلاك غير باحثه عما قد يُخجل بل طالبة الخجل نفسه.



-10-

لماذا يطلب الناس الأدنى ويرفضون الأسمى؟

إن للذهب والفضة وغيرها من الأشياء الجميلة جاذبية تأسر النفوس لذلك تتأثر الشعور بلمسها كما يتأثر بها بقية الحواس بحسب ما تجد فيها من مآرب خاصة.. كذلك للمجد العالمي وحب السيطرة والاعتزاز بالنفس لها أيضاً جمالها. وكذلك للانتقام دوافعه ومراميه فليس من يسعي إليه بلا سبب. ولا يتأتي للإنسان أن يصل إلي بغيته من هذه الأشياء جميعاً ما لم يخالفك ويعرج عن ناموسك.. إن لهذه الحياة التي نحياها سحراً خاصاً في بعض المناسبات الخاصة وذلك عندما تقترن بها تلك الأشياء الجميلة.

كذلك للصداقة البشرية جمالها ولا يكون ذلك إلا عندما ترتبط أرواح الكثيرين برباط متين توحد بينها.. هذه الأشياء جميعاً هي سبب الخطيئة وبسببها يرتكب الإثم. لأننا عندما نهوي هذه الأشياء الجميلة الدنيئة نرفض ما هو أفضل وأسمي، الذي هو أنت أيها الرب إلهنا. ونرفض حقك وناموسك. إننا نسر بهذه الأشياء الصغرى التي لا يمكن أن يعد السرور بها شيئاً مذكوراً إذا قيس بسرورنا بخالقها الذي به يبتهج البار وهو فرح مستقيم القلب!.



-11-

لو قال قائل إن حب هذه الأشياء الدنيا يسبب الشر، فإننا لا نصدقه إلا إذا لمسنا الشر بأيدينا لأن الفائدة التي نرجوها من وراء هذه الأشياء حتى ولو كانت قليلة تحببنا فيها، فنخاف أن نفقدها مع ما فيها من حُسن وجمال، ومع هذا فإننا إذا قارنا فوائد هذه الأشياء بالفوائد الأكثر سمواً وبهجة فإنها تكون حقيرة ودنيئة



لماذا يقتل الإنسان أخاه الإنسان؟؟؟

إنه يقتله إذا هام بزوجته! أو طمع في عقاره أو أختلس شيئاً من ماله لأجل معيشته أو هاجمه قاصداً الإساءة إليه، ولكن أيمكن أن يرتكب أحد الناس جريمة قتل بلا سبب ولمجرد السرور فقط بالقتل؟ من يصدق هذا؟.. إن الإنسان الشرير والجائر الذي يقتل عندما يثور بوحشية من تلقاء نفسه إنما يفعل ذلك لأنه نشأ شريراً عاطل اليد والفكر. ولكن إلي أي مدي يندفع في طريقه؟؟ لا شك أنه إذا هاجم مدينة من المدن فإن شروره لن تقف إلا إذا أستولي عليها واغتصب مُلكها وغنم كل ما فيها وشعر بأنه قد أصبح بعيداً عن سطوة القوانين وارتباكات الضرورات العائلية وإحساس الشعور بالمسئولية. لذلك فإن (كاتلين) لم يحب شروره ولكنه ارتكبها لسبب أخر.



-12-

لماذا أحب سرقة الكمثري؟

ماذا أحببت فيك - أنا التعيس - أيتها السرقة يا صنيعة غبائي؟! أنت لم تكوني حسنة لي - عندما كنت في السادسة عشرة من عمري - لأنك أنت هي السرقة. ولكن كيف أخاطبك هكذا؟ أأنت شئ حي؟؟.. إن الكمثري التي كنا نسرقها كانت جميلة لأنها خليقتك يا الله وأنت أبهي الكل، خالق الكل، أنت الإله السامي الصلاح وصلاحه حق... جميلة كانت تلك الكمثري، ومع ذلك فإن نفسي الشقية لم تمل إليها لقد كنت أجمع أجمل ما علي الشجرة لمجرد السرقة وبعد أن أجمعه كنت ألقي به للخنازير، وكانت لذتي الوحيدة في هذا كله هو إثمي الذي كنت في غاية السرور لأن أتلذذ به والذي لم أكن أشعر بعذوبته إلا عندما أضع الكمثري في فمي.

والآن إني أتساءل أيها الرب إلهي عما سرني في السرقة التي لم يكن لها أي جمال، ولست أعني بالجمال مثل ذلك الجمال الذي في الحق والحكمة، أو ذلك الجمال الموجود في العقل والذاكرة والعاطفة وحياة البشر الحيوانية، أو ذلك الجمال الموجود في النجوم البهية التي تتلألأ في أبراجها، أو ذلك الجمال الموجود في الأرض والبحر المملوئين بأجنة الحياة والتي تستبدل بتناسلها نسلا جديداً عوضا عن ذلك النسل الذي يفني، ولا أيضا ذلك الجمال الخيالي الكاذب الذي يكون في ارتكاب بعض الرذائل الخاصة.



-13-

أنت وحدك يا الله هو الإله المتسامي فوق الكل. ومهما تكبر الإنسان فإنه لا يمكن أن يدانيك في سموك.

إن الطموح يدفع الإنسان للسعي وراء الكرامة والمجد ولكن أنت وحدك الممجد والمكرم إلي الأبد فوق كل الأشياء.

إذا قسي العظيم فإن قسوته تقابل بالاستسلام والطاعة. ولكن من يجب أن يُطاع بسرور واستسلام سواك وحدك يا أعظم العظماء؟! يا من لا يقدر أحد أن يغتصب حقه في أي زمان ومكان

إذا تحنن الظالم فإن حنوه وعطفه يدعي محبة.ولكن أيوجد ما هو أكثر حناناً من محبتك؟ أيوجد شئ يمكن أن يُحب كما يجب أن يُحب حقك الذي يتلألأ ساطعا فوق الجميع؟؟

الرغبة في المعرفة والرغبة في التعلم متشابهتان ولكن مهما بلغ الإنسان من العلم والمعرفة فلا يمكن أن يصل إلي سمو معرفتك.

الغباء والجهل يستتران تحت أسم الوداعة وعدم الرغبة في إيذاء الغير ولكن أيوجد هناك ما هو أكثر منك وداعة يا أيها العالم بكل شئ؟؟ مهما قل الضرر الذي يصيب الخاطئ فإن ضرره لا يتأتي إلا من أعماله.

الكسل يدفع الإنسان إلي طلب الراحة، ولكن أين توجد الراحة الدائمة إلا بقربك أيها الرب؟؟ لا تلذذ إلا في الراحة وسعة العيش، ولكن أنت وحدك كمال الكثرة غير الزائلة للملذات غير الفاسدة

التبذير يشير إلي السخاء، ولكنك أنت المعطي كل صلاح بأكثر وفرة.

الطمع يجعل الإنسان يشتهي امتلاك أشياء كثيرة ولكنك مع كونك لست طماعا تملك كل شئ

الحسد يجعل الإنسان يحسد أخاه الإنسان لأجل الفخر، ولكن أي فخر يعادل فخارك أنت الذي لا يحسدك أحد؟؟

الغضب يولد في النفس الرغبة في الانتقام ولكن من يقدر أن ينتقم بحق أكثر منك أيها المنتقم الجبار؟؟

الخوف يجعل الإنسان قلقاً بسبب كل أمر مفاجئ غير مألوف فيتبصر في العواقب لضمان السلامة، ولكن هل يوجد ما يفاجئك؟؟ أو ما هو غير مألوف لديك؟ وهل يستطيع أحد أن ينزع منك ما تحبه يا من لا توجد السلامة الدائمة إلا بقربه؟؟

الحزن يكون بسبب الحسرة علي ما فُقد مع ما فيه من بهجة ولذة، فهل تساوي هذه البهجة واللذة بهجة ولذة جمالك؟.



-14-

كل نفس تبتعد عنك ترتكب الفسق وتطلب الدنس والفساد حتى تعود إليك. الذين يسيرون في طريق الفساد يشبهون الذين يحيدون بعيداً عنك ويحاربونك. وكل من يتشبهون بك يفتخرون بأنك خالق الكون ولا يعرفون مكانا يلتجئون إليه بعيداً عنك. إذن ماذا أحببت فيك أيتها السرقة؟ وفي أي شئ بارتكابك شابهت ربي؟.. أكان ذلك لأني أردت أن أظهر قدرتي علي كسر ناموسك فسرقت؟؟ أم كان ذلك لأنني وقد كنت مغلوباً علي أمري ولم أجد ما أستطيع أن أقلدك فيه إلا أن أعمل سدي مل لا يسوغ لي أن أعمله وأمثل تلك المهازل متمتعاً بحرية مشلولة ما كان من حقي أن أتمتع بها قاصداً بهذا أن يكون لي صورة غامضة من جبروتك!؟

ها هو ذا خادمك قد هرب من سيده بعيداً عن كل شر. آه من فساد الحياة ووحشتها

آه ما أعمق الموت!! لقد قدرت أن أحب ما لم أكن أحبه لأنني لم أقدر أن أحبه.



-15-

بماذا أكافئ الرب؟ لأن نفسي الآن تتذكر هذه الأشياء جميعها، ومع ذلك لا أخاف منها؟؟ أحبك يا رب وأشكرك وأعترف لأسمك لأنك قد غفرت لي هذه الكبائر. لقد ذابت آثامي كما لو كانت ثلجاً بفضل حرارة إحسانك ورحمتك. لإحسانك الفضل فيما لم أفعله من شر. لأن كل ما لم أفعله من شر لم أفعله إلا بإرشادك. لأنه من هو الإنسان الذي يتجاسر - رغم إحساسه بضعفه - أن ينسب إلي نفسه الفضل في طهارته وبره؟؟ ومن يفعل هذا إلا غير المحتاج إلي رحمتك التي تغفر بها آثام الخطاة التائبين لذلك فهو لا يحبك كثيراً بل يحبك أقل من كل شئ.

لا تجعل كل من تدعوه ويتبع صوتك ويتجنب ارتكاب ما قرأه عن تلك الخطايا التي أعترف بها أمامك، لا تجعله يحتقرني أنا الذي كنت مريضاً فشفاني ذلك الطبيب الذي صرت بمعونته كأنني لم أكن مريضاً أو بالأحرى صرت أخف مرضاً.. دع الإنسان الذي يقرأ هذا يحبك كثيراً!! بل ليزدد حبه لك أكثر جداً عندما يراني وقد شفيت من إثمي العميق، لأنه سيري نفسه أيضا وقد شفي بواسطتك من إثمه المماثل لإثمي.



-16-

ماذا جنيت - أنا الإنسان الشقي - من وراء تلك الأشياء التي ذكرها يبعث الخجل في نفسي وخصوصاً تلك السرقة التي أحببتها لذاتها دون أن يكون فيها ما يعتد به، ومع ذلك فلي أرتكبها بمفردي. أجل! إنني لم أكن أسرق في ذلك الوقت بمفردي بل كنت أسرق مع آخرين حتى أحببت في السرقة محفل رفقاء السوء الذين كنت أسرق معهم. إنني لم أكن أحب شيئاً حينذاك أكثر من السرقة وحدها. أفلم يكن إذن لظروف الصداقة المقترن بها وزن أو اعتبار؟؟

لا يقدر أن يدلني عن هذا إلا ذاك الذي يضئ قلبي ويكشف ما بأركانه الظلمة لأستطيع أن أفحص ما بعقلي و أحلله و أتأمله إذ إنني لو كنت في ذلك الوقت أحب الكمثري التي أسرقها لأتلذذ بها لسرقتها بمفردي، ولو كنت أسرق بدافع الحاجة لاكتفيت بسرقة ما يكفي لإشباع نفسي دون أن أكون في حاجة لأن ألهب شوق رغباتي بشغف رفقاء السوء. ولكن الحقيقة أن لذتي لم تكن في الكمثري بل في نفس الضرر الذي يسببه محفل رفقائي المجرمين.



-17-

أي شعور إذن كان هذا الشعور؟ إنه بلا شك كان شعوراً معيباً جداً! فويل لي لأن هذا الشعور كان شعوري. أي شعور كان هذا الشعور؟ من يقدر أن يعرف آثامه وخطاياه؟ لقد ملأ الطرب قلوبنا فخدعنا!! ولو أننا فكرنا قليلا فيما كنا نفعله لاشمأزت نفوسنا.. لماذا إذن كانت لذتي العظيمة في أن لا أسرق وحدي؟ السبب في ذلك هو ما جرت عليه العادة في أن من يضحك لا يضحك وحده.

هكذا جرت العادة ومع ذلك ففي بعض الأحيان يغلب الضحك علي البشر فرادي إذا ما خطر علي الشعور أو البال شئ مضحك جداً ومع ذلك فإني لم أسرق وحدي!! وحدي لم أسرق أبداً وها هي ذي أمامك يا إلهي الصورة الواضحة لنفسي. لم أرتكب أبداً السرقة منفرداً وما سرقته لم أتلذذ به ولكنني تلذذت لأنني سرقت0 إن السرقة وحدها لم تحببني في ارتكابها ولم أحب أنا وحدي أن ارتكبها.

آه من التواد الذي بلا وداد كهذا!! أنت أيتها الشهوة لا يمكن إدراكك. إنك تغرين النفس وتصنعين من المزاح والسرور شروراً، إنك ظمأى لهلاك الآخرين دون فائدة ترجي، أو انتقام يبغي، ولكن عندما كان يقال لنا (دعنا نذهب، دعنا نسرق) فإننا لم نكن نستحي أن نكون بلا حياء.



-18-

يا لها من مشاكل ملتوية عسيرة الحل. إنها تقف في طريقي لذلك أكره أن أتأملها أو أفكر فيها. إنني مشتاق إليك يا الله أيها البر والطهارة لأنك جميل وظريف لكل العيون الطاهرة ولا يمكن أن يشبع أبداً منك.

فيك السلام التام والحياة الدائمة ومن يدخل إليك يدخل إلي فرح سيده بلا خوف، ويصير فاضلاً في الله فائق الكل.. لقد تذللت بعيداً عنك وتهت وضللت كثيراً - يا عضدي - في تلك الأيام، أيام شبابي حتى صرت لنفسي أرضاً جدباء.


    سجل ليصلك  المزيد من الموضوعات على ايميلك

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://avakarasnew.yoo7.com
 
الكتاب الثانى من اعترافات القديس اغسطينوس الفيلسوف
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الانبا كاراس للمواهب الكتابية :: منتدى الاباء الاوائل :: القديس اغسطينوس :: اعترافات القديس اغسطينوس-
انتقل الى: